محمد متولي الشعراوي
1361
تفسير الشعراوى
حدثت ، ونقولها ونحن جازمون بها . والسابقون لنا في عصور سابقة قال بعضهم : « إن الأرض مسطحة » ، وحاول أن يجد من الأسباب ما يقيم الدليل على ذلك ، ولكن الذين أقاموا الدليل على أن الأرض كروية كانوا صادقين بالفعل . وفي العصر الحديث صارت كروية الأرض أمرا مرئيا من سفن الفضاء ، وغيرها من الوسائل ، ونحن نعرف أنه « ليس مع العين أين » إن الكروية بالنسبة للأرض ، هي نسبة ، نقولها ونجزم بها ، والواقع أنها كذلك ، ونستطيع أن نقيم على ذلك الدليل . هذا هو العلم المستوفى ، إن فساد الناس أنهم يأتون إلى قضية لم تصل إلى هذه المرتبة ويسمونها « علما » كقولهم : إن الإنسان أصله قرد ، لا ، إن أحدا لا يستطيع الجزم بذلك ، وتلك قضية ليست من العلم ، إن كلمة « علم » تطلق على القضية المجزوم بها ؛ وهي واقعة في الوجود ، ونستطيع أن ندلل عليها ، وإذا كانت القضية مجزوما بها ؛ وواقعة في الوجود ، ولكنك لا تستطيع أن تدلل عليها ، فماذا تسمى هذه القضية ؟ هذا ما يطلق عليه « تقليد » تماما كما يقلد الولد أباه قبل أن ينضج عقله فيقول : « لا إله إلا اللّه ، اللّه واحد » . ومثلما يأخذ التلميذ عن أستاذه القضية العلمية ، ولا يعرف كيفية إقامة الدليل عليها ، فهذا نطلق عليه « تقليدا » ، وإلى أن ينضج عقل التلميذ ويحسن استيعابه نقول له : ابحث بحثا آخر لتقيم الدليل . إذن فالتقليد هو قضية مجزوم بها ، وواقعة ، ولا يوجد عليها دليل . وهكذا نعرف أن « العلم » يمتاز عن التقليد بوجود القدرة على التدليل ، لكن إذا ما كانت هناك قضية ومجزوم بها ولكنها ليست واقعة ، فماذا نسمى ذلك ؟ إن هذا هو الجهل . إن الجهل لا يعنى عدم علم الإنسان ، ولكن الجهل يعنى أن يعلم الإنسان قضية مخالفة للواقع ومناقضة له . أما الذي لا يعلم فهو أمّى يحتاج إلى معرفة الحكم الصحيح ، فالجاهل أمره يختلف ، إنه يحتاج منا أن نخرج من ذهنه الحكم الباطل ؛ ونضع في يقينه الحكم الصحيح ، وهكذا تكون عملية إقناع الجاهل بالحكم الصحيح هي عملية مركبة من أمرين ، إخراج الباطل من ذهنه ، ووضع الحكم الصحيح في يقينه . ولذلك فنحن نجد أن تعب الناس يتأتى من الجهلاء ، لا من الأميين ؛ لأن الجاهل هو الذي يجزم بقضية مخالفة للواقع ومناقضة له ، أما الأمىّ فهو لا يعرف ، ويحتاج